عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

79

اللباب في علوم الكتاب

ثم الذي يظهر : أنها هنا شرطية ، ويكون قد حذف جوابها ؛ لدلالة ما قبله عليه ، تقديره : أنّى شئتم ، فأتوه ، ويكون قد جعلت الأحوال فيها جعل الظروف ، وأجريت مجراها ، تشبيها للحال بظرف المكان ؛ ولذلك تقدّر ب « في » ، كما أجريت « كيف » الاستفهامية مجرى الشرط في قوله : يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ [ المائدة : 64 ] وقالوا : كيف تصنع أصنع ، فالمعنى هنا ليس استفهاما بل شرطا ؛ فيكون ثمّ حذف في قوله : « ينفق كيف يشاء » ، أي : كيف يشاء ينفق ، وهكذا كل موضع يشبهه ، وسيأتي له مزيد بيان ، فإن قلت : قد أخرجت « أنّى » عن الظرفية الحقيقية ، وجعلتها لتعميم الأحوال مثل « كيف » وقلت : إنها مقتضية لجملة أخرى كالشرط ، فهل الفعل بعدها في محلّ جزم ، اعتبارا بكونها شرطية ، أو في محلّ رفع ، كما تكون كذلك بعد « كيف » التي تستعمل شرطية ؟ قلت : تحتمل الأمرين ، والأرجح الأول ؛ لثبوت عمل الجزم ؛ لأنّ غاية ما في الباب تشبيه الأحوال بالظروف ، للعلاقة المذكورة ، وهو تقدير « في » في كلّ منهما . ولم يجزم ب « كيف » إلا بعضهم قياسا لا سماعا ، ومفعول « شئتم » محذوف ، أي : شئتم إتيانه بعد أن يكون في المحلّ المباح . فصل في بيان سبب النزول روى ابن عبّاس في سبب النزول ؛ قال : جاء عمر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه ، هلكت . قال : « وما الّذي أهلكك ؟ » قال : حوّلت رحلي البارحة ، فلم يردّ عليه شيئا ، فأوحي إليه : « نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ » ، يقول : أقبل ، وأدبر ، واتّق الحيضة والدّبر « 1 » . وروى جابر بن عبد اللّه ؛ قال : كانت اليهود تقول في الذي يأتي امرأته من دبرها في قبلها : إن الولد يكون أحولا ، فنزلت هذه الآية « 2 » . وروى مجاهد عن ابن عبّاس ؛ قال : كان من شأن أهل الكتاب ألّا يأتوا النّساء إلّا على حرف ، وذلك أستر ما تكون المرأة ، وكان هذا الحيّ من الأنصار قد أخذوا

--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 1 / 297 ) والترمذي ( 2984 ) والنسائي في « عشرة النساء » رقم ( 91 ) والحاكم ( 2 / 195 ) والبيهقي ( 7 / 198 ) والطبراني في « الكبير » ( 11 / 77 ) رقم ( 11097 ) وابن حبان ( 6 / 201 ) رقم ( 4190 ) والطبري في « تفسيره » ( 4 / 412 - 413 ) وأبو يعلى ( 5 / 121 ) رقم ( 2736 ) . والحديث ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 262 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والخرائطي في « مساوئ الأخلاق » والضياء المقدسي في « المختارة » عن ابن عباس . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 8 / 141 ، 143 ) ومسلم ( كتاب النكاح باب جواز جماعه امرأته في قبلها من قدامها ومن ورائها ) وابن ماجة ( 1 / 620 ) رقم ( 1925 ) والترمذي ( 5 / 200 ) رقم ( 2978 ) وأبو داود ( 1 / 656 ) رقم ( 2163 ) والبيهقي ( 7 / 194 - 195 ) والطبري في « تفسيره » ( 4 / 410 ) عن جابر . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 467 ) وعزاه لوكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد .